الاثنين، جمادى الآخرة 19، 1426

تعلمت من البطريرك

البارحة، مساءً حضرت لقاء عشاء مع سيادة البطريرك.. كان لقاءاً جميلاً اضفت فيه شيئاً جديداً ومفيداً إلى خبرتي في الحياة.. شدتني كلمة البطريرك في جزء من حديثه، حيث قال: "سمعت منكم (يقصد نحن الملبورنيين) بأنكم تقولون بأن سبب هجرتكم إلى أستراليا هو لخير ابنائكم، ولكني اسألكم: ماذا فعلتم لابنائكم إلى الآن؟!!". في الحقيقة كان سؤاله سهماً اطلقه سيادته إلى قلوب الحاضرين، فهو الأب الجليل لمس بنقاوة روحه معاناة جيل كامل من شبابنا التائه بين متطلبات الوالدين المادية والمالية واحلامهم الحقيقية.. بعد أن كنا نحن المسيحيين في العراق ذو تأثير وفاعلية على المجتمع العراقي ثقافياً وأكاديمياً، أصبحنا هنا في أستراليا نعاني من الجهل والهامشية. وكل هذا لأن الأباء يشغطون على ابنائهم ولا يشجعوهم على مواصلة الدراسة الاكاديمية. فأصبح الاب سائق التاكسي يفتخر بأنه عندما يحصل على إجازة سوق التاكسي، عدا تشجيع البعض لابنائهم على فتح اعمال صغيرة.
حسناً، اتجاه ابناء الرعية نحو العمل التجاري شيء جيد، وبناء لمستقبل زاهر ولكن بالطريقة التي تجرؤي الآن فستقودنا لأن ننحرف عن المسار العلمي والثقافي والسياسي في أستراليا، حتى عن المسار الاقتصادي، لأن أغلبية الاعمال التجارية لابناء رعيتي لهي اعمال ذو دخل محدود على المستوى التجاري مثل: الصباغ او المنظف او الخباز...الخ هكذا اعمال تجارية لا يتطور صاحبها، ولكن إن اهتموا بتكميل الدراسة وعن طريقها ينطلقون نحو التجارة فعندئذ سينجحون وقد ريحققون العالمية. لم نسمع عن منظف انخرط في العولمة؟!!!! ولكن هناك الاعمال الأخرى التي تنخرط في العولمة.
ذكرتني كلمة البطريرك بشيء مماثل كنت قد ذكرته في اجتماع دعوت إليه لمناقشة أمور الجالية.. فقلت لهم أن نهوض رعيتنا وجاليتنا ينطلق من الصغار ودفعهم للدراسة وتشجعيعهم على مواصلتها وليس تحميلهم اعباء ديون ثقيلة من البنوك جراء رغبة الكبار في شارء بيوت واراضي وعقارات...الخ. ولكن اجتماعنا هذا سوف لن يفيد بشيء لاننا بحاجة إلى أشخاص اكاديميين وخبراء في علوم الاجتماع والنفس لدراسة حالة الجالية ومستواها الفكري والاجتماعي والنفسي للوصل إلى الطرق الصحيحة لتصحيح مسارنا، وليس نحن بعض الشباب الذي لديه مجرد أفكار، عدا ذلك رغبة البعض الذين كانوا حاضرين في الاجتماع إلى إنشاء لجنة هدفها الدعاية الانتخابية لاحزاب معينة في العراق..رباه متى سنتخلص منهم أولئك المسغلين (عذراً أقصد أن نتخلص منهم فكرياً وليس جسدياً فعلى العكس اتمنى لهم مديد العمر).

اعتذار

أود أن أقدم اعتذاري الشديد لكل من يقرأ أو يتابع مذكراتي على فترة الانقطاع التي تجاوزت الشهر.. فقد مررت بظروف صعبة منها: مرض أحد أفراد عائلتي، بالإضافة إلى انشغالي في الكنيسة والتحضيرات للزيارة البطريركية وأشياء أخرى...
هذه الأيام جميلة وعزيزة على قلبي جداً.. فالبطريرك بيننا أراه كل يوم، اتكلم معه، أخذت صور معه، ونلت البركة الابوية منه أيضاً...
أيضاً تقديس الكنيسة الجميلة التي بنيناها في مدينتنا، ملبورن. فهي جميلة وكبيرة جداً، متميزة بطرازها البابلي خاصة أبراجها العالية وجدرانها.. الفن المستخدم داخل الكنيسة امتزج ما بين الفن الكنسي المشرقي (طريق الالام) في القرون الأولى والفن الغربي (المذبح) ونحته الرائع.
ابناء الرعية العاملين والخادمين في الكنيسة كانوا خلية نحل فيها، يعملون دون توقف ودون عتاب، وإن وُجدت بعض الأمور الصغيرة هنا وهناك ولكن الجميع يحاول تجاوزها وعدم تضخيمها وذلك لأجل المناسبة السعيدة التي نحن فيها والتي تتجاوز خلافاتنا..
قد يظن البعض بأني مثالي حيث أرى الناس متعاونين مساعدين بعضهم البعض وكاننا في الملكوت، ولكن على العكس فأنا إنسان واقعي وعملي جداً ولولا ما رأيته لما قلت ما قلت..
ولكن عجبي من البعض اللذين لا يشاركوننا افراحنا وسعادتنا هذه الأيام، بالرغم من أنهم يعملون في نشاط معين في الكنيسة.. أومن بانهم يحاولون خلق عدو لنفسهم، علهم يبررون اخطائهم وكأنهم بخلقهم ذلك العدو يجعلون منه شماعة لفشلهم وبالاحرى لعدم قدرتهم على التواصل والتعاون والمشاركة مع الآخر.
أن أبشع مرحلة يمر بها الإنسان هي عندما يعتقد بأن الأخرين هم ناقصين وجهلاء ولا يفقهون شيئاً وأخيراً يتهمون الناس بانهم لا يستحقون أن يكونوا في أماكنهم. فتيرأى لهم بأنهم هم المخلصون والبانون والمعدلون والمستقيون الوحيدون. فيبدؤن بتخويل أنفسهم أحقية طرد هذا وذلك بالطبع متكلين على بعض الحجج القائمة على تحليلات خاطئة لتصرفات الآخر. حتى وإن كان الآخر على خطأ في أمور معينة!! فهل هذا يستدعي منهم إعلان الحرب على جماعة ما داخل الكنيسة؟! أو محاولة الايقاع بهم واستغلال مواقعهم لأجل تدمير نشاطات الآخر.
اتعجب بأننا في هذه الدول الغربية لم نتعلم من الإنسان الغربي شيئاً. لماذا لا نكون عمليين مثل الغربي، فنعمل مع الكل حتى وإن لم يعجبني الآخر: طريقته، أسلوبه أفكاره... الخ. ولكن المهم هو: أنا والآخر ننتج عملاً وننجز مشروعاً يعم يالخير للجميع فنحقق بذلك النفع العام. أليس هذا ما يريده المسيح وأغلب الديانات والاخلاقيات.
أخيراً، لا أريد أن أطيل.. إذا كان هؤلاء البعض لا يشاركوني فرحي باكتمال بناء كنيستي، بمقدم بطريركي، بنجاحات جوقة كنيست ومجلس الخورنة والأخوية...الخ. فلما لا ينسحبون من النشاط الذي يعملون فيه فيريحونني ويريحون الجميع وأنفسهم أيضاً. على الأقل، بالرغم من سيأت الآخر فأنه يعمل شيئاً مفيداً لكنيستي ويحبها ولا يخلط بين القومية والطائفة الدينية.