الأحد، رجب 02، 1426

الغالب يقرأ التاريخ

الغالب، المنتصر، هو الذي يقرأ التاريخ ويفسره كيفما يشاء. لذا لا استغرب أن لاحظت التناقضات في تفسير وتحليل التاريخ لمورخون عديدون. فكل مورخ، هو ابن عصره، ابن قومه، ابن ثقافته...الخ. ومهما حاول المؤرخ التجرد من تلك الملحقات فلابد وأن يقع في فخ إحداهم.
الأسبوع الماضي، أحضرت (دي في دي) فلم: الاسكندر. الفلم الأخير عن حياة القائد اليوناني العظيم الاسكندر الأكبر، والذي انتجته هوليوود. الفلم تجاوز الاسكندر كشخصية تاريخية بابعادها الكثيرة، تجاوز الشعب اليوناني والأسباب الحقيقية وراء حروب الأسكندر الأكبر. فلم تأخذ هوليوود إلا شيء واحد، وهو: حروب التحرير. هكذا قرأت هوليوود التاريخ اليوناني أو بالأحرى هذا ما تقرأه الشخصية الأمريكية الآن للأحداث التاريخية. فقدموا لنا الأسكندر وكأنه يحرر بلاد ما بين النهرين، بابل العظيمة من حكم داريوس البربري - وطوال الفلم وصف الشعوب الأخرى، الواقعة شرق اليونان بالبربر - أليست هذه نفس فكرة اليمين المتطرف الأمريكي، في كون الحرب الأخيرة هي حرب تحرير العراق، حرب تحرير شعوب الشرق الأوسط من أنظمتها الشمولية البربرية المتخلفة. أنا لا أجادل في كون الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط شمولية، ديكتاتورية ومتخلفة وتؤدي بشعوبها إلى الانهيار ولكن هل قرائتنا للحاضر يجب أن تفرض علينا قراءة التاريخ بنفس الشكل. عُرف الفارسييون بأنهم كانوا بارعين في الآدب والقصةوالشعر، البابلييون في إدارة الإمبراطورية والتنجيم والهندسة والرياضيات، الآشوريين في العمران والعسكرية، الهند في الفلسفة والحكمة، أليست الهند هي التي وهبت البشرية، بوذا، رسول السلام والمشابهة مبادئه لمبادئ المخلص يسوع المسيح. فكيف يكون هؤلاء بربر.
قبل شهور قرأت مقالة في البي بي سي، عن اعترض أكاديميين بريطانيين على مؤسسات هولييود السينمائية وطريقة تشويهها للتاريخ البريطاني!! ألا يوجد صراع ثقافي بين هولييود والسينما الفرنسية؟!! ألم تدك مدينة السينما الإيطالية بالقنابل أثناء الحرب العالمية الثانية؟!!
أمثلة كثيرة: فلم (تروجانس: الطرواديين) بطولة براد بيت، ألم يقدموا البطل (براد بيت) بشخصة ونمكط تفكير أمريكي وليس مثلما كان اليوناني يفكر ويعيش. فلم الملك أرثر، تم تقديمه بنفس التشويه، وتقديمه بشكل قائد تابع للجيش الروماني الذي ينفص عن الإمبراطورية من أجل الحرية للفقراء والعبيد. بينما مفهوم الحرية في العصور الأوربية الوسيطة كانت مختلفة عن العصر الحالي.
فلم بير هاربر، صحيح أن الهجوم الياباني كان غدراً ومفاجاة ووحشية ضد ميناء أمريكي مسالم، لكن في النهاية لا يقدمون الرد الأمريكي بنفس الوحشية والدمار بل يقدموه بشكل رد على وحشية فقط وهناك اختلاف في كونك تبرر وحشيتك بدفاع عن النفس.
أخيراً، كل حضارة تفرض رؤيتها للتاريخ حتى وإن كانت رؤية خاطئة. في النهاية أستسلم للأمر الواقع وأقول هنيئاً للأمريكان في رؤيتهم وفرضها علينا مادمنا لا نقدر على فعل شيء. لست سلبياً ولكن واقعي